ليس من السهل – بالنسبة لي على الأقل- مشاهدة مقاطع فيديو الهجوم الأهوج على دار يقطنه رجال ونساء عزّل، وهم يتعرضون للضرب المبرح على باب دارهم بالعصي والهراوات، ثم يسحبون خارج الدار، ويربطون بالحبال ويسحبون على الأرض لمدة ساعتين، قبل أن يفارقوا الحياة.
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 سيرة الإمام الحسن عليه السلام

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
جعفر الخابوري
المراقب العام
المراقب العام
avatar

عدد المساهمات : 626
تاريخ التسجيل : 27/06/2013

مُساهمةموضوع: سيرة الإمام الحسن عليه السلام   الخميس يونيو 27, 2013 11:22 pm

سيرة الإمام الحسن عليه السلام



سبط النّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأوّل ولد لأمير المؤمنين وفاطمة (عليهما السلام)، ولد في النّصف من شهر رمضان، في السّنة الثّالثة من الهجرة ( 1).
وقدم النّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى بيت عليّ (عليه السلام) ليهنّئه، وسمّـاه «الحسن» من قبل الله ( 2).

مع النّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم):
أمضى السّبط مع النّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ما يناهز سبعة سنوات من حياته ( 3 )، وكان يحبّه الجدّ حبّاً جمّاً، شديداً، وكثيراً ما كان يحمله على كتفيه ويقول: « اللّهمَّ إنّي أُحبُّه فأحِبَّه » ( 4 ).
« من أحبّ الحسن والحسين فقد أحبّني، ومن أبغضهما فقد أبغضني » ( 5).
ويقول(صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً: «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة» ( 6).
ويقول(صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً عنهما (عليهما السلام): « إبناي هذان إمامان، قاما أو قعدا » ( 7).
ولما يملكه الإمام الحسن (عليه السلام) من سموّ في التّفكير، وشموخ روح، كان النّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يتّخذه شاهداً على بعض عهوده، بالرّغم من صغر سنّه، وقد ذكر الواقدي، أنّ النّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عقد عهداً مع ثقيف، وقد كتبه خالد بن سعيد، وإتّخذ الإمام الحسن والحسين (عليهما السلام) شاهدين عليه ( Cool.
وجاءت روايات كثيرة ناطقة بان آية التطهير نزلت في رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعليّ وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) ( 9).

مع أمير المؤمنين (عليه السلام):
صحب الإمام الحسن (عليه السلام) أباه(عليه السلام) وعاونه في شؤونه، معترضاً على الجائرين، ومدافعاً عن المحرومين والمظلومين.
وحين أُبعد أبو ذر إلى الرّبذة، أمر عثمان بأن لا يودّعه أحد، ولكنّ الإمام الحسن وأخوه الكريم (عليهما السلام)، مع أبيهم الماجد (عليه السلام) ودّعوا بحرارة هذا الإنسان المتحرّر المشرّد، وحين وداعه، إستنكروا حكم عثمان، وأظهروا إستياءهم منه، وحرّضوا أبا ذر على الثّبات والصّمود ( 10).
في سنة 36 هجرية، إصطحب أباه من المدينة الى البصرة، ليخمد نار حرب الجمل التي أشعلتها عائشة وطلحة والزبير.
وقبل الدّخول للبصرة، ذهب إلى الكوفة، بأمر من الإمام عليّ (عليه السلام) مع عمّار، الصّحابيّ الكبير الطّاهر، لتعبئة النّاس هناك، وبعد ذلك عاد إلى البصرة، مع النّاس لنصرة الإمام (عليه السلام) ( 11).
وبخطاباته القويّة والرّائعة، كشف النّقاب عن أكاذيب عبد الله بن الزّبير الّذي نسب للإمام عليّ (عليه السلام) زوراً قتل عثمان، وكانت له مساهماته في المعركة، إلى أن عادوا منتصرين ( 12).
وكان مع أبيه أيضاً في معركة صفّين، وسطر ملاحم وبطولات فيها.
وفي هذه المعركة، بعث معاوية عبيد الله بن عمر إليه، فقال للإمام الحسن (عليه السلام) يمنّيه بالخلافة (إنّ أباك قد وتر قريشاً أوّلاً وآخراً، وقد شنئوه فهل لك أن تخلعه ونولّيك هذا الأمر؟)، نعم إنّ الإمام قد وترهم ولكن في سبيل الإسلام، فقد حاولوا لفّ لوائه، فناجزهم الإمام فقتل جبابرتهم، وأباد طغاتهم وهزم جموعهم، وهم من أجل ذلك يحملون له حقداً وعداءاً. ومن هنا قال له الإمام الحسن(عليه السلام) « كلاّ، والله لا يكون ذلك » ( 13).
وفي هذه المعركة لم يتوقّف ابداً عن نصرة أبيه، وحتّى النّهاية، كان معه، وحين انتخب شخصان من قبل المعسكرين (معسكر الإمام عليّ (عليه السلام)، ومعاوية)، ليقوموا بمهمّة الحكمين، في مصير الأمّة، وكان حكمهم ظالماً، خطب الإمام الحسن (عليه السلام) بأمر أبيه خطابة ملتهبة: «أيّها النّاس، قد أكثرتم في هذين الرّجلين، وإنّما بعثا ليحكما بالكتاب على الهوى، فحكما بالهوى على الكتاب، ومن كان هكذا لم يسمّ حكماً ولكنّه محكوم عليه » ( 14).
وحين حضرت أمير المؤمنين (عليه السلام) الوفاة، عيّن الإمام الحسن (عليه السلام) محلّه، بوصيّة مسبقة من النّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأشهد على ذلك، سائر أبنائه الكرام، وكبار الشّيعة ( 15).




________________________________________
(1 ) ـ الإرشاد للمفيد، ص169، وقد ذكر الكليني ان ولادته في السّنة الثّانية للهجرة.
( 2 ) ـ البحار، ج43، ص238.
( 3 ) ـ دلائل الإمامة للطّبري، ص60.
( 4 ) ـ تاريخ الخلفاء، ص188.
( 5 ) ـ البحار، ج43، ص264.
( 6 ) ـ تاريخ الخلفاء، ص189.
( 7 ) ـ البحار، ج 43، ص278.
( 8 ) ـ الطّبقات الكبرى، ج1، ص33.
( 9 ) ـ غاية المرام، ص287.
( 10 ) ـ حياة الإمام الحسن بن علي(عليه السلام)، ج1، ص260 ـ 261.
( 11 ) ـ الطّبقات الكبرى، ج3، ص20.
( 12 ) ـ حياة الإمام الحسن بن علي(عليه السلام)، ج1، ص396 ـ 399.
( 13 ) ـ حياة الإمام الحسن(عليه السلام)، ج1، ص444.
( 14 ) ـ حياة الإمام الحسن(عليه السلام)، ج1، ص479.
( 15 ) ـ أصول الكافي، ج1، ص297 ـ 298.


خصاله وصفاته

1 ـ الورع:
كان له توجّه خاص لله، وكان يظهر هذا التّوجّه أحياناً على ملامح وجهه، أثناء وضوئه، وحين يتوضأ، كان يتغيّر لونه، ويرتجف، وحين كان يسأل عن سبب ارتعاد فرائصه، كان يجيب (عليه السلام)، إنّه واقف أمام الله جلّ جلاله، فحقّ للانسان أن يرتجف، وترتعد فرائصه.
روي عن الإمام الصّادق (عليه السلام): « أنّ الحسن بن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، كان أعبد النّاس في زمانه وأزهدهم وأفضلهم، وكان اذا حجّ حجّ ماشياً وربّما مشى حافياً، وكان إذا ذكر الموت بكى، وإذا ذكر القبر بكى، وإذا ذكر البعث والنّشور بكى، وإذا ذكر العرض على الله تعالى ذكره شهق شهقة يغشى عليه منها...» (1).
وقد حجّ خمسة وعشرين حجّة ماشياً، وربّما بدون نعل (2).

الكرام والعطاء:
سمع (عليه السلام) رجلاً إلى جنبه في المسجد الحرام يسأل الله أن يرزقه عشرة آلاف درهم، فانصرف إلى بيته وبعث إليه بعشرة آلاف درهم.
وحيّت جارية للحسن (عليه السلام) بطاقة ريحان، فقال لها: « أنت حرّة لوجه الله » فقيل له في ذلك، فقال أدّبنا الله تعالى فقال: « {وإذا حيّيتم بتحيّة فحيّوا بأحسن منها} وكان أحسن منها إعتاقها » (3).
وقد قسّم كلّ ما يملكه نصفين، ثلاث مرّات في حياته، وحتّى نعله، ثمّ وزّعه في سبيل الله كما يقول عنه الرّاوي مخاطباً إيّاه «وقد قاسمت ربّك مالك ثلاث مرّات حتّى النّعل والنّعل» (4).


الحلم:
روي أنّ شاميّاً رأى الإمام (عليه السلام) راكباً فجعل يلعنه والحسن لا يردّ، فلمّا فرغ أقبل الحسن (عليه السلام) فسلّم عليه وضحك فقال: « أيّها الشّيخ أظنّك غريباً ولعلّك شبّهت، فلو استعتبتنا أعتبناك، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا أحملناك، وإن كنت جائعاً أشبعناك، وإن كنت عرياناً كسوناك، وإن كنت محتاجاً أغنيناك، وإن كنت طريداً آويناك، وإن كان لك حاجة قضيناها لك، فلو حرّكت رحلك إلينا وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك كان أعود عليك ، لانّ لنا موضعاً رحباً وجاهاً عريضاً ومالاً كثيراً».
فلمّا سمع الرّجل كلامه بكى، ثمّ قال: أشهد أنّك خليفة الله في أرضه، ألله أعلم حيث يجعل رسالته (5).
ومروان بن الحكم، الّذي لم يتوقّف لحظة عن إلحاق الأذى بإلمام (عليه السلام)، لمّا مات الحسن، بكى مروان في جنازته، فقال له الحسين، أتبكيه وقد كنت تُجرَّعه ما تُجرّعه؟ فقال: إنّي كنت أفعل ذلك إلى أحلم من هذا، وأشار بيده إلى الجبل (6).
_____________________________________
(1) ـ البحار، ج43، ص331.
(2) ـ تاريخ الخلفاء، ص190.
« الخلافة »

خطب الإمام الحسن بن علي(عليه السلام)، في صبيحة اللّيلة الّتي قبض فيها أمير المؤمنين (عليه السلام):

« فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثمّ قال: لقد قبض في هذه اللّيلة رجل لم يسبقه الأولّون بعمل، ولا يدركه الآخرون بعمل، لقد كان يجاهد مع رسول الله فيقيه بنفسه، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوجّهه برايته ولا يرجع حتّى يفتح الله على يديه.
وما خلّف صفراء ولا بيضاء ـ إشارة للذّهب والفضّة ـ إلاّ سبع مأئة درهم، فضلت عن عطائه أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله.
ثمّ خنقته العبرة، فبكى وبكى النّاس معه.
ومن أجل أن لا تنحرف الإمامة عن مسارها الصّحيح الأصيل، أضاف بعد ذلك: أنا ابن البشير أنا ابن النّذير أنا ابن الدّاعي إلى الله بإذنه أنا ابن السّراج المنير أنا من أهل بيت أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً، أنا من أهل بيت فرض الله مودّتهم في كتابه فقال تعالى: {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا) ( 1 )، فالحسنة مودّتنا أهل البيت.
ثمّ جلس، فقام عبد الله بن العبّاس بين يديه فقال: « معاشر النّاس هذا ـ إشارة للإمام الحسن (عليه السلام) ـ إبن نبيّكم ووصيّ إمامكم فبايعوه ».
فاستجاب له النّاس وقالوا ما أحبّه إلينا وأوجب حقّه علينا وبادروا إلى البيعة له بالخلافة ( 2 ).
فلمّا بلغ معاوية بن أبي سفيان وفاة أمير المؤمنين (عليه السلام)وبيعة النّاس إبنه الحسن (عليه السلام) دسَّ رجلاً من حمير إلى الكوفة ورجلاً من بني القين إلى البصرة، ليكتبا إليه بالأخبار، ويفسدا على الحسن (عليه السلام) الأمور.
فعرف ذلك الحسن (عليه السلام). فأمر باستخراج الحميري من عند لحام بالكوفة فأُخرج وأَمر بضرب عنقه، وكتب إلى البصرة باستخراج القيني من بني سليم فأُخرج وضربت عنقه، وكتب الحسن (عليه السلام) إلى معاوية:
« أمّا بعد: فإنّك دسست الرّجال للاحتيال والاعتيال وأرصدت العيون كأنّك تحبّ اللقاء، وما أوشك ذلك، فتوقعه، إنشاء الله تعالى ».
ومن الرّسائل التي بعثها الإمام (عليه السلام) لمعاوية، والّتي نقلها ابن أبي الحديد، هذه الرّسالة:
«... فلمّا توفّى ـ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ تنازعت سلطان العرب فقالت قريش: نحن قبيلته وأسرته وأولياؤه، فرأت العرب أنّ القول ما قالت قريش، فأنعمت وسلّمت إليهم، ثمّ حاججنا نحن قريشاً بمثل ما حاججت به العرب، فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها، فلمّا صرنا أهل بيت محمّد وأولياءه إلى محاجّتهم وطلب النّصف منهم بعدونا واستولوا بالاجماع على ظلمنا ومراغمتنا والعنت منهم لنا، وأمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدّين أن يجد المنافقون والأحزاب في ذلك مغمزاً يثلمونه به، أو يكون لهم بذلك سبب إلى ما أرادوا من إفساده.
فاليوم فليتعجّب المتعجّب من توثّبك يا معاوية على أمر لست من أهله، لا بفضل في الدّين معروف، ولا أثر في الإسلام محمود، وأنت ابن حزب من الأحزاب، وابن أعدى قريش لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولكتابه، والله حسيبك، فسترد فتعلم لمن عقبى الدّار، وبالك لتلقيّن عن قليل رَبَّك، ثم ليجزينّك بما قدّمت يداك، وما الله بظلاّم للعبيد، إنّ عليّاً لمّا مضى لسبيله، ولاّني المسلمون الأمر بعده، فأسأل الله ألاّ يؤتينا في الدّنيا الزّائلة شيئاً ينقصنا به في الآخرة ممّا عنده من كرامة.
وانّما حملني على الكتاب إليك الاعذار فيما بيني وبين الله عزّوجلّ في أمرك، ولك في ذلك إن فعلته الحظّ الجسيم، والصّلاح للمسلمين، فدع التّمادي في الباطل، وأدخل فيما دخل فيه النّاس من بيعتي، فإنّك تعلم أنّي أحقّ بهذا الأمر منك عند الله، وعند كلّ أوّاب حفيظ وله قلب منيب، واتّق الله ودع البغي، واحقن دماء المسلمين، فو الله مالك خير في أن تلقى الله من دمائهم بأكثر ممّا أنت لاقيه فيه، وإن أنت أبيت إلاّ التّمادي في غيّك سرت إليك بالمسلمين فحاكمتك، حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين ».
فكتب معاوية اليه: «... والحال فيما بيني وبينك اليوم مثل الحال الّتي كنتم عليها أنتم وأبو بكر بعد وفاة النّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلو علمت أنّك أضبط منّي للرّعية، وأحوط على هذه الامّة وأحسن سياسة، وأقوى على جمع الأموال، وأكيد للعدوّ، لأجبتك إلى ما دعوتني إليه، ورأيتك لذلك أهلاً، ولكن قد علمت أنّي أطول منك ولاية، وأقدم منك بهذه الامّة تجربة، وأكبر منك سنّاً، فأنت أحقّ أن تجيبني إلى هذه المنزلة الّتي سألتني، فادخل في طاعتي، ولك الأمر من بعدي، ولك ما في بيت مالك العراق من مال بالغاً ما بلغ تحمله إلى حيث أحببت، ولك خراج أيّ كور العراق شئت... والسّلام » ( 3 ).
إنّ معاوية قد تمسّك في عدم بيعته للإمام الحسن، بنفس الحجج الواهية التي تشبّثت بها قريش حين أعرضت عن بيعة أمير المؤمنين (عليه السلام).
ولكنّ معاوية كان يعلم، في نفسه، بأنّ الإمام أصلح منه، ولكنّ حبّ الرّئاسة: والدّنيا، منعه من إتّباع الحقيقة، وذلك، لانّه كان يعلم جيّداً بأنّ صغر السّن في أمثال عيسى ويحيى، لم يكن مانعاً عن النّبوّة، وكذلك الأمر في الإمام خليفة النّبيّ.
ولم يتخلّف معاوية فحسب عن بيعة الإمام (عليه السلام)، بل إنّه سعى للإطاحة بالإمام (عليه السلام)، وقد أمر البعض سرّاً باغتيال الإمام، ومن هنا كان الإمام متدرّعاً خلف ثيابه بدرع، وكان لا يذهب لاقامة الصّلاة بدون درع ( 4 ).
ومعاوية هذا، الّذي يتعلّل بصغر عمر الامام، ويحتجّ به لعدم البيعة، قد نسي هذه الحجّة، حين عيّن يزيد وليّاً للعهد من بعده، وعهد إلى ولده الشّاب بالخلافة، وطالب النّاس بالبيعة له.
وقد كتب معاوية لعمّاله ـ متعلّلاً بالعمل لتوحيد الأمة الإسلامية ومواجهة النّزاعات والفوضى ـ بأن يقبلوا إليه بعدّتهم وعديدهم، وقد عمل أولئك بما قال.
وقد عبئ معاوية هؤلاء، وبعث بهم لمحاربة الإمام (عليه السلام) في العراق.
وأمر الإمام حجر بن عدي، أن يهيّأ القادة والنّاس للحرب.
وعلى الطريقة المألوفة آنذاك، أخذ المنادي يدور في أزقّة الكوفة وهو يهتف « الصّلاة »، واندفع النّاس للمسجد، وارتقى الإمام المنبر وقال: ـ بلغني أنّ معاوية بلغه أنّا كنا أزعمنا على المسير إليه فتحرّك لذلك، أُخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم بالنّخيلة... فسكت الجميع.
ونهض عديّ بن حاتم الطّائي حين رأى سكوت النّاس فقال: أنا ابن حاتم، سبحان الله، ما أقبح هذا المقام، ألا تجيبون إمامكم وابن بنت نبيّكم... أما تخافون مقت الله ولا عيبها ولا عارها.
وقام قيس بن سعد بن عبادة، ومعقل بن قيس، وزيادة بن صعصعة، فأنّبوا النّاس ولاموهم وحرّضوهم، وخرج النّاس فعسكروا ونشطوا للخروج ( 5 ).
اجتمعت حشود النّاس في المعسكر، كانت تشكّل عدّة تيّارات وجماعات، سوى الشّيعة، وهي:
1 ـ الخوارج: الّذين جاؤا فحسب لمحارة معاوية، لا لدعم الإمام (عليه السلام)، وتقبّلهم له.
2 ـ أصحاب المطامع: الّذين خرجوا طمعاً بغنائم الحرب.
3 ـ أولئك الّذين شاركوا في الحرب، إطاعة لرؤساء عشائرهم، وليس لهم باعث ديني ( 6 ).
وأرسل الإمام (عليه السلام) جماعة من هؤلاء الجنود، إلى مدينة الانبار بقيادة الحكم، فانضمّ إلى صفوف معاوية، وهكذا فعل القائد الآخر، فقد ذهب الإمام بنفسه إلى المدائن، ومن هناك بعث بإثني عشر ألف شخصاً، كمقدّمة الجيش، بقيادة عبيد الله بن عبّاس، لمقاتلة معاوية، وجعل قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري معاوناً له، فإذا قتل عبيد الله، يحلّ محلّه قيس في القيادة.
فوجّه معاوية إلى قيس بألف ألف درهم على أن يصير معه أو ينصرف عنه فأرسل إليه بالمال، وقال: تخدعني عن ديني ( 7 ).
ولكنّ القائد الاوّل للجيش، وهو عبيد الله بن العبّاس، إغترّ بوعوده بالأموال، وانسلّ ليلاً مع جماعة من خواصه لمعاوية، وبقي الجيش، في الصّباح، بلا قائد، فصلّى بهم قيس، وتولّى القيادة، وأرسل إلى الإمام رسالة تنبئه بما حدث ( 8 ).
وكان قيس يقاتل ببطولة، وحين فشلت أساليب معاوية الخادعة وإغرائاته في قيس، أرسل معاوية جواسيس ليندسّوا في صفوف جيش الإمام، ليشيعوا كذباً وزوراً، نبأ مصالحة قيس مع معاوية، وجماعة أخرى من الجواسيس، ليقوموا بإشاعة أخرى، بأنّ الإمام الحسن (عليه السلام) صالح معاوية ( 9 ).
وبهذه الطّريقة، انطلت الخدعة على الخوارج، وأولئك الّذين كانوا يرفضون الصّلح، وفجأة هجموا بغضب على خيمة الإمام (عليه السلام)، وانتهبوها، وحتى بساطه سرقوه، وقد أصيب الإمام في فخذه بطعنة، وحمل الحسن (عليه السلام) إلى المدائن وقد نزف نزفاً شديداً واشتدّت به العلّة ( 10 ).
وحمله أصحابه إلى المدائن، فأنزل بها على سعد بن مسعود الثّقفي ـ وكان عامل أمير المؤمنين بالمدائن وأقره الإمام الحسن (عليه السلام) ـ وبقي في دار الثقفي للمعالجة، وفي خلال ذلك قالوا له، بأنّ بعض رؤساء القبائل الّذين لم يملكوا الدافع الدّيني، أو أنّهم كانوا يحملون العداء للإمام، قد كتبوا إلى معاوية سرّاً، وقد بعث معاوية تلك الرّسائل بنفسها إلى الإمام وطلب منه الصّلح متعهداً له بأنّه يقبل كلّ شروط الإمام ( 11 ).
وكان الإمام يعاني المرض بشدّة، وقد تفرّق أصحابه عنه كلّ إلى جهة، ولم يكن الجنود متوحّدين في الهدف والمبدأ، وكلّ واحد منهم كان يسلك طريقاً معيّناً، ولم تكن مواصلة الحرب في صالح الشّيعة بل حتّى الإسلام، وذلك، لانّ معاوية لو كان ينتصر في الحرب رسميّاً، لبدّد أساس الإسلام، ولقضى على جميع الشّيعة المسلمين الحقيقيّين تماماً، واستأصلهم من الوجود.
لذلك اضطرّ الإمام لتقبّل الصّلح بشروط كثيرة وصعبة ( 12 ).
ومن هذه الشّروط:
1 ـ إحترام دماء الشيعة، والحفاظ عليها، وعدم تضييع حقوقهم وسحقها.
2 ـ الكفّ عن سبّ الإمام عليّ (عليه السلام) ( 13 ).
3 ـ أن يقسّم معاوية مليون درهماً على يتامى معركة الجمل وصفّين.
4 ـ لم يلّقب الإمام (عليه السلام) معاوية بـ (أمير المؤمنين) ( 14 ).
5 ـ على معاوية العمل على أساس كتاب الله وسنّة النّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
6 ـ يلزم على معاوية، أن لا يعيّن بعد موته أحداً للخلافة ( 15 ).
وقد وافق معاوية على هذه الشّروط وشروط أخرى، كلّها تستهدف الحافظ على الإسلام وخاصّة الشّيعة، وانتهت الحرب.

لم يكن تسامحاً:-
لا يفكّر بعض المستشرقين في دراساتهم وبحوثهم بعمق حول القضايا، ولا يحيطون بكلّ أبعادها، ويتوصّلون من مقدّمات ضعيفة إلى نتائج يعتقدون أنّها متينة، قويّة ـ في رأيهم ـ، ويعتمدون على تذوّقهم في تفسيرها.
والبعض من هؤلاء، ونتيجة، لقراءاته السّطحيّة، وعدم إطّلاعه، إعتقد بأنّ الإمام الحسن (عليه السلام) قد إنهار وضعف في حربه مع معاوية، وإلاّ فانّة كان يمكنه إحراز النّصر.
ولكن، لو كان هؤلاء يدرسون بعمق، النّصوص الأصلية الّتي تتحدّث عن تاريخ تلك المرحلة، مع ملاحظة كلّ جوانب القضيّة وابعادها، فمن المحتّم أنّهم لا يصلون لمثل هذه النّتيجة والحكم، وذلك. لانّ الإمام (عليه السلام)، بشهادة التّاريخ، أمضى أيّام حياته مع أبيه، ثابتاً، شجاعاً، وشارك معركة الجمل وصفّين، وخاض لهيب الحرب ضدّ العدوّ، وضرب بالسّيف متقدّماً، جريئاً، وعاد منتصراً.
إذن، فالإمام الحسن (عليه السلام)، لم يرهب الحرب والقتال، وهو نفسه كان يحرّض النّاس على الحرب ضدّ معاوية...، ولكن كان يرى الصّلح ضرورياً آنذاك، في تلك الظّروف الخاصّة المعيّنة، بالإضافة، الى العوامل السّياسيّة الدّاخليّة، والحفاظ على الشيعة، والمصالح الدّاخليّة للإسلام، وحتّى بالنّسبة، للسياسة الإسلامية الخارجيّة، كان الصّلح هو الرّأي الأعمق، ومثيراً للدّهشة والحيرة ( 16 ).

لم يكن تنازلاً:-
والأعجب من إعتقاد الجماعة الأولى، إعتقاد جماعة أخرى من الكتّاب، حيث يقولون: إنّ الإمام (عليه السلام) كان يرى معاوية أصلح منه، لذلك تراجع الامام لصالح معاوية، وسلّمه الخلافة، وبايعه.
مع أنّنا نعلم: وكما يظهر من رسائله قبل الصّلح أو بعده، إنّه كان يرى نفسه أصلح من معاوية في تولّي الخلافة، وحين جاء معاوية إلى الكوفة، وصعد المنبر وقال: « إنّ الحسن بن عليّ رآني للخلافة أهلاً، ولم ير نفسه لها أهلاً » فلمّا فرغ من كلامه قام الحسن (عليه السلام) وقال:... وبعد أن ذكر فضائل أهل البيت (عليهم السلام) وحديث المباهلة، قال: وإنّ معاوية زعم لكم أنّي رأيته للخلافة أهلاً، فكذب معاوية، نحن أولى بالنّاس في كتاب الله ولسان نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم نزل أهل البيت مظلومين منذ قبض الله نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ( 17 ) « الخبر ».
مع أنّ الإمام كما ذكرنا في قرارات صحيفة الصّلح، لم يعتبره أمير المؤمنين، إذن فكيف نقول بأنّه قد بايعه؟ وعلى تقدير أنّه قد بايعه، لكان يلزم عليه العمل وفق أوامر معاوية، مع أنّ التّاريخ يشهد، بأنّه لم يخضع لايّ أمر من أوامره، فحين تمرّد الخوارج، أمر معاوية أن يزحف الإمام لقتالهم، ولكن لم يهتمّ الامام بهذا الامر أبداً وقال (عليه السلام): « لو آثرت أن أقاتل أحداً من أهل القبلة لبدأت بقتالك… » ( 18 ).
فمن هنا نرى، بأن الاعتقاد الباطل لبعض الكتّاب، الذين يفقدون الوجدان العلمي، ومعرفة التاريخ، لم يكن الاّ افتراءً ووهماً كبيراً، ولم يكن صلح الإمام (عليه السلام) إلاّ وفق المصالح الإسلامية الكبرى لا أنه (عليه السلام) كان يرى معاوية أصلح منه.

إعتراض باطل:
ويتسائل البعض: يجب على القائد أن يستجيب في أعماله لمتطلّبات المجتمع، إذن فلماذا لم يهتمّ الإمام (عليه السلام) برغبة الشّيعة في الحرب ضدّ معاوية؟
ونجيب: لانّ مواصلة الحرب، لم تكن في صالح الإسلام والمسلمين، فلا يصلح للإمام (عليه السلام) أن يستجيب لرغباتهم ومتطلّباتهم.
وأساساً، فإنّ قيادة الإمام، في المعتقد الشّيعي، قيادة إلهيّة، نظير قيادة الأنبياء، وذلك لانّ الامام، مرتبط بالله، ويحدّد مصالح المجتمع ومتطلّباته على هذا الأساس، وما يحدّده هو الحقّ.
وكثيراً ما كان يعمل النَّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أو الإمام (عليه السلام) عملاً، ولكنّ النّاس حين ممارسة العمل، لا يدركون المصلحة فيه، وبعد مرور الايّام، يكتشفون عمق المصلحة فيه، ولزوم ممارسته.
فقد خرج النّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) من المدينة قاصداً زيارة بيت الله الحرام مع المسلمين، وحين بلغ الحديبيّة منعته قريش من الدّخول لمكّة، وذلك لانّ دخول النّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن معه، بدون إذنهم المسبق، كان يعدّ جرحاً لكرامتهم، وتحدّياً سافراً لهم.
واستمرّت اللقاءات والمذاكرات بينهم، وأخيراً توصّلوا إلى عقد الصّلح بين المسلمين وقريش، لمدّة ثلاث سنوات، والالتزام بهذه البنود:
1 ـ أن تضع قريش في السّنة القادمة بيت الله لمدّة ثلاثة أيّام تحت تصرّف المسلمين واختيارهم، حتّى يمكن للمسلمين ممارسة أعمالهم ومناسكهم بكلّ حرّيَّة.
2 ـ أن لا يكون هناك أيّ نزاع بين قريش والمسلمين لمدّة ثلاث سنوات، وأن يسمح للمسلمين الدّخول لمكّة، أو الخروج منها، دون أن يتعرّض إليهم ( 19 ).
3 ـ أن يمكن للمسلمين القاطنين في مكّة ممارسة أعمالهم ووظائفهم الدّينيّة بصورة علنيّة.
4 ـ إنّما يلتزم بهذه البنود، بشرط واحد، وهو أن يردّ المسلمين لمكّة، كلّ شخص يفرّ من مكّة من أجل اللّجوء للمدينة، بينما لا يلزم على قريش أن يردّوا كلّ شخص يفرّ من المدينة إلى مكّة ( 20 ).
وقد أمضى الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، بنود هذا الصّلح، ولكنّ المسلمين أغاضهم البند الأخير، ولم يخضعوا للصّلح ( 21 )، وكان عمر أشدّ المعارضين، فقال رسول الله: «أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيّعني» ( 22 ).
وهكذا كان، فقد انكشفت للجميع الفوائد والمصالح الكامنة في هذا الصّلح، إذ أنّه نتيجة لاخماد نار الحرب، والتقاء المسلمين بالمشركين واختلاطهم بهم، أدّى إلى أن يتعرّف المشركون على حقيقة الإسلام، ونفوذ الإسلام إلى قلوبهم، بحيث اعتنق الكثير منهم الاسلام، فلم يمرّ وقت طويل من عقد الصّلح، حتى كان الإسلام هو الدّين العامّ لأهل مكّة ( 23 ) .
يقول الزّهري: لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبيّة، وذلك لانّ المشركين إختلطوا بالمسلمين، فسمعوا كلامهم فتمكّن الإسلام في قلوبهم، وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير، وكثر بهم سواد الإسلام.
وقال ابن هشام: والدّليل على قول الزّهري أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج إلى الحديبيّة في ألف وأربع مئة، ثمّ خرج عام فتح مكّة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف ( 24 ).
وقال الإمام الصادق (عليه السلام): « ما كانت قضيّة أعظم بركة منها » ( 25 ).
إذن فالّذين يؤمنون حقّاً بإمامة الائمّة الطّاهرين (عليهم السلام)عليهم أن لا يعترضوا على صلح الإمام الحسن (عليه السلام)، كما لم يعترض على صلح النّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) مع قريش.
ولكنّ بعض الشّيعة، لقصورهم، إعترضوا على الإمام (عليه السلام) كما اعترض بعض المسلمين على النّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأجابهم الإمام (عليه السلام)، بأن لا يتدخّلوا في شؤون الإمام (عليه السلام)، لانّ أعماله تجري وفق المصالح الحقيقيّة، وإن لم يفهم الاخرون أسرارها.
عن أبي سعيد عقيصا: قال، قلت للحسن بن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): يا ابن رسول الله، لم داهنت معاوية وصالحته، وقد علمت أنّ الحقّ لك دونه، وأنّ معاوية ضالّ باغ؟
فقال: « يا أبا سعيد، ألستُ حجة الله تعالى ذكره على خلقه، وإماماً عليهم بعد أبي (عليه السلام) قلت: بلى، قال: ألست الّذي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لي ولأخي: الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا؟ قلت: بلى، قال: فأنا إذن إمام لو قمت، وأنا إمام إذا قعدت، يا أبا سعيد علّة مصالحتي لمعاوية، علّة مصالحة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لبني ضمرة، وبني أشجع، ولاهل مكّة حين انصرف من الحديبيّة، أولئك كفّار بالتَّنزيل ومعاوية وأصحابه كفّار بالتّأويل، يا أبا سعيد إذا كنت إماماً من قبل الله تعالى ذكره لم يجب أن يسفّه رأيي فيما أتيته من مهادنة أو محاربة، وإن كان وجه الحكمة فيما أتيته ملتبساً.
ألا ترى الخضر (عليه السلام) لمّا خرق السّفينة وقتل الغلام وأقام الجدار سخط موسى (عليه السلام) فعله، لاشتباه وجه الحكمة عليه حتى أخبره فرضي، هكذا أنا سخطتم عليَّ بجهلكم بوجه الحكمة فيه، ولو لا ما أتيت لما ترك شيعتنا على وجه الارض أحد إلاّ قتل » ( 26 ).

معاوية ينقض العهد:-
وقد كشف معاوية ـ بعد أن أمسك بمقدّرات الأمور ـ عن وجهه الحقيقيّ البشع، فقد ذكر في خطاب له في النّخيلة بعد الهدنة: ـ إنّي والله ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا ولا لتحجّوا ولا لتزكّوا إنّكم لتفعلون ذلك، ولكنّي قاتلتكم لا تأمّر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون، ألا وإنّي كنت منّيت الحسن وأعطيته أشياء، وجميعها تحت قدمي لا أفي بشيء منها له ( 27 ).
ولكن عمليّاً، كان يلاحظ أحياناً جانب الإمام (عليه السلام) لنفوذ شخصيّته بين المسلمين كما يذكر ذلك إبن أبي الحديد: « طلب زياد رجلاً من أصحاب الحسن (عليه السلام)، ممّن كان في كتاب الامان، فكتب اليه الحسن(عليه السلام): « من الحسن بن عليّ إلى زياد، أمّا بعد، فقد علمت ما كنّا أخذنا من الامان لاصحابنا، وقد ذكر لي فلان أنّك تعرّضت له، فأحبّ ألاّ تعرضنّ له إلاّ بخير والسّلام».
ولكنّ زياد لم يخضع لأمر الإمام (عليه السلام) فكتب إليه:... وايم الله لاطلبنّه بين جلدك ولحمك...
فلمّا قرأ الحسن (عليه السلام) الكتاب بعث به إلى معاوية، فلمّا قرأه غضب، وكتب:... إنّ الحسن بن عليّ (عليه السلام) كتب إليّ بأنّك عرضت لصاحبه، فلا تعرضنّ له فإنّي لم أجعل لك عليه سبيلاً ( 28 ).

العودة إلى المدينة:
واستخدم معاوية شتّى الأساليب في أذى الإمام (عليه السلام)، ومطاردة أتباعه، ومراقبتهم بشدّة، وكان يستهين الإمام عليّاً (عليه السلام) وأبناءه البررة (عليهم السلام)، وربّما شتم الإمام عليّ (عليه السلام) في مجلس يحضره الإمام الحسن (عليه السلام) ( 29 )، وإن كان الإمام (عليه السلام) يجيب على شتائمه على الفور، جواباً حاسماً لاذعاً، ولكنّ بقاء الإمام (عليه السلام) في الكوفة كان مؤلماً وموجعاً له، لذلك عاد إلى المدينة، ولكنّ هذه العودة لم تؤثّر شيئاً في تغيير الظّروف السّيّئة التي يواجهها الإمام وأنصاره، وذلك لانّ والي المدينة، كان من أبشع عمّال معاوية وهو مروان، هذا الشّخص الّذي يقول النّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه: « هو الوزغ إبن الوزغ، المعلون إبن الملعون» ( 30 )، فقد ضيق على الإمام (عليه السلام)، وفرض عليه رقابة مشدّدة، وكذلك على أتباع الإمام (عليه السلام) وأنصاره، وحتّى زياراتهم ولقاءاتهم بالامام كانت محرجة لهم، ولذلك، وبالرّغم من بقاء الإمام (عليه السلام) في المدينة عشر سنوات، ولكنّ التزوّد من نمير علومه ومعارفه كان قليلاً، لذلك كانت الرّوايات المرويّة عن الإمام الحسن (عليه السلام) قليلة جدّاً.
وكان مروان يحاول الاستهانة بإلمام عليّ (عليه السلام) أمام الإمام الحسن (عليه السلام)، وربّما حرّض البعض على الاستهانة بالإمام الحسن نفسه ( 31 ).
وبعد مروان، أيضاً، نهج سائر عمّال المدينة بنهج مروان في الاستهانة بالإمام وأذاه.

الشّهادة:
إنّ معاوية لم يكن مستعدّاً للتّنازل عن الخلافة للإمام الحسن (عليه السلام)، متذرّعاً بصغر سنّ الإمام (عليه السلام)، ولكنّ هو نفسه، سعى جاهداً في تثبيت دعائم ولاية العهد لولده المجرم الفاجر يزيد، حتّى لا تواجه خلافته المشاكل والتحدّيات بعد موته.
وكان يرى في وجود الإمام الحسن (عليه السلام) عقبة كأداء في هذا السّبيل، لانّه كان يعتقد بأنّه بعد هلاكه، سيتّجه النّاس للإمام (عليه السلام)، لنفرتهم وإستيائهم من بني أميّه وأبناء معاوية، ومن هنا إستخدم شتّى الاساليب الجهنّميّة، للقضاء على الإمام الحسن (عليه السلام) وأخيراً، استشهد الإمام (عليه السلام) في (28) صفر سنة (50) هجريّة، بسبب السّمّ الّذي دسّه إليه معاوية، ودفن في مقبرة البقيع في المدينة، سلام الله عليه ( 32 ).

_______________________________________
(1 ـ سورة الشّورى، آية 23.
(2 ـ الإرشاد للمفيد، ص169 ـ 170.
(3 ـ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج16، ص35.
(4 ـ البحار، ج44، ص33.
(5 ـ شرح نهج البلاغة، إبن أبي الحديد، ج16، ص37 ـ 40.
(6 ـ الإرشاد للمفيد، ص171.
(7 ـ تاريخ اليعقوبي، ج2، ص214.
(8 ـ الإرشاد للمفيد، ص172.
(9 ـ تاريخ اليعقوبي، ج2، ص214.
(10 ـ تاريخ اليعقوبي، ج2، ص215.
(11 ـ الإرشاد للمفيد، ص172 ـ 173 وحياة الإمام الحسن(عليه السلام)، ج2 ص100.
(12 ـ تاريخ اليعقوبي، ج2، ص204 ـ 207.
(13 ـ الإرشاد للمفيد، ص173.
(14 ـ البحار، ج44، ص2 ـ 3.
(15 ـ البحار، ج44، ص65.
(16 ـ حياة الإمام الحسن(عليه السلام)، ج2، ص108.
(17 ـ البحار، ج44، ص62.
(18 ـ الكامل لابن الأثير، ج3، ص409.
(19 ـ تاريخ اليعقوبي، ج2، ص54 ـ 55.
(20 ـ البحار، ج20، ص367 ـ 368.
(21 ـ البحار، ج20، ص350.
(22 ـ سيرة إبن هشام، ج4، ص317.
(23 ـ البحار، ج20، ص368.
(24 ـ سيرة ابن هشام، ج4، ص322.
(25 ـ البحار، ج20، ص368.
(26 ـ البحار، ج44، ص2.
(27 ـ البحار، ج44، ص49.
(28 ـ شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد، ج16، ص18 ـ 19.
(29 ـ الإرشاد للمفيد، ص173.
(30 ـ حياة الإمام الحسن بن علي(عليه السلام)، ج1، ص218.
(31 ـ تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص190.
(32 ـ مروج الذّهب، ج2، ص427 ودلائل الإمامة، ص60. وغيرها من المصادر، وفي تاريخ وفاته أقوال أخرى، يمكن مراجعتها في تاريخ الخلفاء، ص192.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ljfgkidf.ba7r.biz
 
سيرة الإمام الحسن عليه السلام
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مدونة شيعة مملكة البحرين :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: